أحمد بن محمد القسطلاني

110

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الذي هو في سياق النفي كقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } [ الأحقاف : 33 ] اه - . والمستثنى منه محذوف ذكره معمر في روايته عن الزهري عن سالم بلفظ : وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد نعلين ( فليلبس خفين ) ولأبي الوقت : فليلبس الخفين بالتعريف ( وليقطعهما ) أي بشرط أن يقطعهما ( أسفل من الكعبين ) ولا فدية عليه لأنها لو وجبت لبينها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذا موضع بيانها . وقال الحنفية : عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه ويفدي . وقال الحنابلة : ومن لم يجد إزارًا لبس سراويل ومتى وجد إزارًا خلعه أو نعلين لبس خفين ويحرم قطعهما . واستدلوا بحديث ابن عباس وجابر في الصحيح : من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليس فيه ذكر القطع وقالوا : قطعهما إضاعة مال . قالوا : وإن حديث ابن عمر المصرح بقطعهما منسوخ . وأجيب : بأنه لا يرتاب أحد من المحدّثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بأنه أصح الأسانيد ، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه ، وبأنه يجب حمل حديث ابن عباس وجابر على حديث ابن عمر لأنهما مطلقان ، وفي حديث ابن عمر زياة لم يذكراها يحب الأخذ بها وبأن إضاعة المال إنما تكون في المنهي عنه لا فيما أذن فيه والأمر في قوله : فليلبس الخفين للإباحة لا للوجوب والسر في تحريم المخيط وغيره مما ذكره مخالفة العادة والخروج عن المألوف لإشعار النفس بأمرين : الخروج عن الدنيا والتذكر للبس الأكفان عند نزع المخيط وتنبيهها على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشرائطها وآدابها . ( ولا تلبسوا ) بفتح أوله وثالثه ( من الثياب شيئًا مسه الزعفران ) بالتعريف ، ولأبي ذر : زعفران . قال الزركشي : بالتنوين لأنه ليس فيه إلا الألف والنون فقط وهو لا يمنع الصرف فلو سميت به امتنع ، ( أو ورس ) بفتح الواو وسكون الراء بعدها سين مهملة نبت أصفر مثل نبات السمسم طيب الريح يصبغ به بين الصفرة والحمرة أشهر طيب في بلاد اليمن لكن قال ابن العربي : الورس وإن لم يكن طيبًا فله رائحة طيبة فأراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ينبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملائمة الشم ، وهذا الحكم يشترك فيه النساء مع الرجال بخلاف الأول فإنه خاص بالرجال . وهذا الحديث سبق في باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله في آخر كتاب العلم . 22 - باب الرُّكُوبِ وَالاِرْتِدَافِ فِي الْحَجِّ ( باب جواز الركوب والارتداف في الحج ) . 1543 - 1544 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - " أَنَّ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى ، قَالَ فَكِلاَهُمَا قَالَ : لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ " . [ حديث 1543 - طرفه في : 1686 [ حديث 1544 - أطرافه في : 1670 ، 1685 ، 1687 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد ) المسندي قال : ( حدّثنا وهب بن جرير ) بفتح الواو وسكون الهاء وجرير بفتح الجيم الأزدي البصري قال : ( حدّثنا أبي ) جرير بن حازم بن زيد ( عن يونس ) بن يزيد ( الأيلي ) بفتح الهمزة وسكون التحتية ( عن ) ابن شهاب ( الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ) بتصغير عبد الأول أحد الفقهاء السبعة ( عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ) . ( أن أسامة ) بن زيد ( - رضي الله عنه - كان ردف النبي ) بكسر الراء وسكون الدال أي رديفه وهو الذي يركب خلف الراكب ، ولأبي ذر : ردف رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عرفة ) موضع الوقوف ( إلى المزدلفة ) ، بكسر اللام اسم فاعل من الازدلاف وهو القرب لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفة يزدلفون إليها أي يقربون منها ويقدمون إليها أو لمجيئهم إليها في زلف من الليل ، ( ثم أردف ) عليه الصلاة والسلام ( الفضل ) بن العباس بن عبد المطلب ( من المزدلفة إلى منى ) ، تواضعًا منه عليه الصلاة والسلام وليحدّثنا عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما يتفق له في تلك الحالة من التشريع ، ولذا اختار أحداث الأسنان كما يختارون لتسميع الحديث قاله ابن المنير : ( قال : فكلاهما قال : لم يزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلبي حتى ) أي إلى أن ( رمى جمرة العقبة ) وهي حدّ منى من جهة مكة من الجانب الغربي . وفي الحديث جواز الإرداف لكن إذا أطاقته الدابة وأن الركوب في الحج أفضل من المشي وأخرجه مسلم .